هل يمكن لبروتين موجود في الكائنات الحية أن يعمل كحساس لمجال مغناطيسي؟
أ.م. د مسافر هندي العارضي
وزارة التربية- العراق
باستخدام خواص مرتبطة بميكانيكا الكم؟ الفكرة تبدو كأنها تجمع عالمين بعيدين تمامًا: البيولوجيا الجزيئية والفيزياء الكمية. لكن في دراسة نُشرت في Nature Biotechnology عام 2026، استطاع الباحثون التحكم في حالات إلكترونية داخل بروتينات حساسة للضوء باستخدام موجات راديو، ثم قراءة ما حدث عن طريق الضوء. والنتيجة فتحت بابًا مثيرًا: إمكانية تطوير بروتينات يمكن برمجتها لتعمل كحساسات مغناطيسية على المستوى الجزيئي.
لفهم الفكرة، نحتاج نبدأ بالإلكترون، الإلكترون لا يحمل شحنة كهربائية فقط، بل يمتلك خاصية كمية تسمى Spin – اللف المغزلي، ويمكن أن تتأثر حالة الـSpin بالمجالات المغناطيسية، ولهذا تستخدم تقنيات مثل الرنين المغناطيسي والرنين الإلكتروني خواص مرتبطة بالـ Spin للحصول على معلومات عن المادة.
ما علاقة هذا بالبروتينات؟
هناك مجموعة من البروتينات تسمى البروتينات الفلافينية (Flavoproteins)، تحتوي على جزيئات صغيرة تمتص الضوء، وعندما تمتص هذه الجزيئات الضوء الأزرق، قد ينتقل إلكترون بين أجزاء مختلفة من البروتين، فيتكون لفترة قصيرة زوج من الجزيئات يحمل كل منهما إلكترونًا غير مزدوج، هذا يسمى زوج الجذور الحرة (Radical Pair)، والغريب أن حالتي الإلكترونين لا تكونان مستقلتين تمامًا، بل يمكن أن تتكون بينهما علاقة مرتبطة بحالة الـSpin وهنا تبدأ الفيزياء الكمية في التأثير في الكيمياء التي تحدث داخل البروتين.
البروتين الأشهر المرتبط بهذه الفكرة هو الكريبتوكروم (Cryptochrome)، وهو بروتين حساس للضوء يوجد في كثير من الكائنات، ومنذ سنوات توجد فرضية أن تفاعلات الـRadical Pairs داخله قد تكون جزءًا من الطريقة التي تستطيع بها بعض الطيور استشعار المجال المغناطيسي للأرض أثناء الهجرة، لكن هذه الفرضية ما زالت مجالًا نشطًا للبحث، والدراسة الجديدة لم تثبت أن العلماء اكتشفوا أخيرًا “بوصلة الطيور”، ما فعلته كان مختلفًا: أخذت هذه الكيمياء الكمية داخل البروتين وحولتها إلى شيء يمكن التحكم فيه وقياسه معمليًا.
استخدم الباحثون بروتين Cryptochrome، وبروتينًا فلافينيًا آخر محسنًا يسمى iLOV وعند إضاءتهما، تكونت أزواج من الجذور الحرة مرتبطة بحالات إلكترونية يمكن للمجال المغناطيسي أن يؤثر فيها، ثم أرسل الباحثون Radiofrequency waves – موجات راديوية بترددات محددة، وعندما تطابق التردد مع الانتقال المناسب بين حالات الـSpin، تغيرت كيمياء الجذور الحرة داخل البروتين، وظهر هذا التغير في كمية الضوء المنبعث منه.
بمعنى أبسط:
ضوء يُنشط البروتين → تتكون حالات إلكترونية → موجات الراديو تغيرها → البروتين يغير إضاءته → فنستطيع قراءة ما حدث.
وهنا أصبحت الفكرة قريبة من تقنيات تسمى Optically Detected Magnetic Resonance رنين مغناطيسي يُقرأ بالضوء،والنتيجة كانت قوية بشكل خاص مع بروتين iLOV، فبعد تحسين ظروف التجربة وصل التغير في الإشارة الضوئية الناتج عن الرنين إلى قرابة 50%، وهو ما جعل الباحثين يختارونه للتجارب التالية.
بعد ذلك وضع العلماء مغناطيسًا صغيرًا بالقرب من العينة، فصار المجال المغناطيسي مختلفًا قليلًا من مكان إلى آخر، وبما أن تردد الرنين يعتمد على قوة المجال المغناطيسي، استطاع الباحثون استخدام البروتين نفسه لرسم خريطة للمجال المغناطيسي داخل مساحة العينة، أي أن البروتين لم يعد مجرد جزيء يستجيب للضوء، بل أصبح في التجربة حساسًا جزيئيًا يمكن قراءة المجال المغناطيسي من خلاله.
ثم استخدم الباحثون الفكرة في الاتجاه العكسي أيضًا، بدل استخدام البروتين فقط لمعرفة المجال المغناطيسي، استخدموا المجال وتردد موجات الراديو للتحكم في مناطق محددة من البروتين داخل العينة، الفكرة تشبه من حيث المبدأ استخدام التردد لاختيار “شريحة” معينة في تقنيات الرنين المغناطيسي: إذا كان كل مكان داخل العينة يرى مجالًا مغناطيسيًا مختلفًا قليلًا، يصبح لكل منطقة تردد رنين مختلف، وبالتالي يمكن اختيار تردد معين والتأثير في منطقة محددة دون غيرها.
ما أهمية الموضوع بالنسبة للبيولوجيا الجزيئية؟
البروتينات يمكن تعديل تسلسلها الجيني، يعني أننا لسنا أمام حساس مصنوع من قطعة صلبة ثابتة فقط، بل أمام منصة يمكن نظريًا أن نغير تركيبها بالأحياء الجزيئية، ونستخدم Protein Engineering – هندسة البروتينات أو التطور الموجه لتحسين حساسيتها أو لونها أو استجابتها، وهذا أحد الفروق المثيرة بينها وبين كثير من الحساسات الكمية الصلبة المستخدمة حاليًا، التجارب الحالية أُجريت على بروتينات محضرة ومنقاه داخل نظام معملي، وليست إثباتًا أن لدينا الآن حساسًا كميًا يعمل داخل خلية بشرية أو أن بإمكاننا التحكم في جينات الإنسان بموجات الراديو.
الباحثون يقترحون أن المنصة قد تساعد مستقبلًا في تطوير حساسات مغناطيسية يمكن ترميزها جينيًا، أو أدوات تصوير حيوية، وربما أنظمة تستخدم موجات الراديو للتحكم عن بُعد في عمليات كيميائية أو إشارات خلوية، لكن هذه ما زالت تطبيقات مستقبلية تحتاج إلى إثبات داخل الخلايا والأنسجة الحية.
الخلاصة: الفيزياء الكمية ليست شيئًا يحدث فقط داخل أجهزة ضخمة وفي درجات حرارة شديدة الانخفاض. بعض التفاعلات الكيميائية داخل البروتينات تعتمد على حالات إلكترونية يمكن للمجالات المغناطيسية وموجات الراديو التأثير فيها حتى في ظروف قريبة من الظروف العادية.
إذا استطعنا يومًا إدخال بروتينات كهذه إلى الخلايا والتحكم فيها بدقة، هل يمكن أن تصبح الخلية نفسها مجهزة بحساس جزيئي للمجالات المغناطيسية، نقرأه ونتحكم فيه عن بُعد من غير أسلاك أو أقطاب؟