استراتيجية التوصيل الجيني (Gene Drive) أكثر التقنيات الواعدة في مكافحة الطفيليات

استراتيجية  التوصيل الجيني (Gene Drive) أكثر التقنيات الواعدة في مكافحة الطفيليات

أ.م.د  مسافر هندي العارضي

 

المديرية العامة للتربية في القادسية، وزارة التربية، العراق

Mussafir78@yahoo.com

https://orcid.org/0000-0002-7183-5625

 

تحلم كل البشرية بأن تعيش بسلام في مجتمع آمن من الأمراض والآفات، وقد عمل الجميع في محاولات مستمرة على ايجاد علاجات أو طرق لإزالة هذه الطفيليات، تواصلت هذه المحاولات وسارت في مسارٍ موازٍ للتطورات في المجالات البحثية المقاربة، فمع تطور المعرفة المناعية والجزيئية، ظهرت فكرة استخدام هذه الأسلحة في مواجهة الطفيليات، وبما إن استخدام مثل هذه التقانات قد يكون ذا مردود سلبي في بعض حالاته عند محاولة تعديل رد الفعل المناعي أو السبيل الوراثي للإنسان، لذا ذهب العلماء الى استخدام الطفيلي نفسه أو العائل المتوسط في قطع طريق انتقال الطفيلي إلى الإنسان.

أفاد باحثون في مجلة نيتشر أنهم استعاروا سلاحاً من البعوض نفسه، فقد قام فريق بحثي بتعديل البعوض وراثيًا لإنتاج أجسام مضادة مشتقة من الفئران، مما يعيق نمو الطفيليات إلا أن هذه الأساليب تنطوي على مشاكل تقنية منها أنه من الضروري ألا يؤدي التعديل الجيني إلى سلالات ضعيفة من البعوض تنقرض بسرعة عند إطلاقها في البرية، كما يتعين عليهم إيجاد طريقة لجعل الجينات المسؤولة عن المقاومة تنتشر بسرعة بين جميع أفراد البعوض. ولحل هذه المشكلة، لجأ العلماء إلى تقنية تُعرف باسم ” التوصيل الجينات” والتي تخالف قواعد الوراثة، واستراتيجية “التوصيل الجيني” (Gene Drive) تُعد من أكثر التقنيات الواعدة في مكافحة الطفيليات في الوقت الحاضر، ومع ذلك، فهي لا تُعتبر حلاً سحرياً مستقلاً بحد ذاته للقضاء التام على المرض، بل تُمثل إضافة ثورية لترسانة الأدوات الحالية عند دمجها مع التدابير الأخرى.

 كيف تعمل هذه الاستراتيجية؟

تهدف التقنية التي تعتمد بشكل أساسي على تقنية تحرير الجينات (CRISPR Gene Editing) إلى تجاوز قوانين الوراثة الطبيعية، فعادةً ما يورّث الكائن الحي جيناً معيناً بنسبة 50% لنسله، لكن “القيادة الجينية” تضمن انتقال التعديل الجيني لأكثر من 99% من النسل، مما يؤدي إلى انتشاره بسرعة فائقة عبر أجيال البعوض وتُنفذ هذه الاستراتيجية عبر مسارين رئيسيين: أولهما :القمع السكاني (Population Suppression) من خلال العمل على إدخال تعديلات جينية تستهدف الجينات الحيوية المسؤولة عن الخصوبة أو تحديد الجنس لدى إناث المضيف الناقل الأمر الذي يؤدي إلى ولادة إناث عقيمات أو ذرية يغلب عليها الذكور، مما يؤدي إلى انهيار أعداد افراد العائل الناقل للمرض بسرعة ، المسار الثاني: الاستبدال الجيني أو التعديل (Population Replacement) وفيه يتم إرفاق “شحنة” جينية مضادة للطفيلي (مثل الأجسام المضادة) مع الموصل الجيني لنشرها في البرية، مما يجعل المضيف الناقل عاجزاً عن استضافة وتطوير اطوار الطفيلي المختلفة، وينتج عنها أن  يستمر البعوض في العيش، ولكنه يفقد قدرته على نقل المرض إلى البشر.

في دراسة حديثة، سعى فريق بقيادة عالم الوراثة إيثان بير من جامعة كاليفورنيا في سان دييغو، وعالم الحشرات الجزيئية وعالم الأحياء الدقيقة جورج ديموبولوس من جامعة جونز هوبكنز، إلى ابتكار بعوض مقاوم للملاريا مستغلين خاصية فريدة في بيولوجيا هذه الحشرات. إذ يمتلك بعض بعوض الأنوفيلس الغامبي نسخة بديلة من بروتين يُسمى FREP1، والذي يُعيق دورة حياة طفيل الملاريا في أمعائها. وقد أشارت أبحاث سابقة إلى أن البعوض الذي يُنتج هذه النسخة – التي تختلف عن الشكل القياسي لبروتين  FREP1  بحمض أميني واحد فقط – يُعد مضيفًا ضعيفًا لطفيليات الملاريا. ونظرًا لأن الشكل المقاوم للطفيليات من بروتين FREP1 موجود بشكل طبيعي في نسبة ضئيلة من البعوض، فقد استنتج العلماء أن هندسة أنواع أخرى من البعوض لإنتاجه لن تُضعف هذه الحشرات على الأرجح.

أدخل الفريق جين FREP1 البديل في بعوض من نوع مختلف، وهو بعوضة الأنوفيلس ستيفنسي ، الناقل الرئيسي للملاريا في آسيا والتي انتشرت في أفريقيا . ثم أنشأوا حظائر داخلية حيث تنافس هذا البعوض مع بعوض يحمل الشكل الأكثر شيوعًا من جين FREP1 للبقاء على قيد الحياة والتكاثر. وقد صمد البعوض المقاوم للطفيليات. بعد عشرة أجيال، ظل تردد نسخة جين FREP1 المقاومة ثابتًا تقريبًا في المجموعة، مما يشير إلى أن الحشرات المعدلة كانت سليمة وتتمتع بخصوبة طبيعية.

عندما سمح الباحثون للبعوض المُعدَّل بالتغذي على دم بشري يحتوي على طفيل المتصورة المنجلية ، وهو أخطر أنواع طفيليات الملاريا، وجدوا أن هذه الحشرات تحمل عددًا أقل بكثير من الطفيليات في أمعائها وغددها اللعابية مقارنةً بالبعوض غير المُعدَّل. كما أظهرت مقاومةً لنوع آخر من المتصورة يصيب القوارض، ويقول ديموبولوس إن هذه النتيجة مهمة، لأنها تشير إلى أن نهجًا يستهدف بروتين FREP1  قد يكون فعالًا ضد العديد من الطفيليات المسببة للملاريا.

لتسريع انتشار طفرة FREP1 في البعوض، قام الباحثون بتعديل البعوض لاحقًا لتثبيت نظام تعديل جيني، أنتجت الحشرات المعدلة مكونات محرر الجينوم (CRISPR/Cas9) ، الذي قطع جين FREP1 القياسي داخل خلاياها، عندما تحاول الخلية إصلاح القطع، تستبدل آلية الإصلاح جزءًا من الحمض النووي لإنتاج طفرة FREP1 المقاومة للطفيليات، البعوضة التي خضعت خلاياها لهذا الاستبدال ستنقل جين FREP1 البديل إلى جميع نسلها بدلًا من نصفهم.

في تجارب أجريت داخل أقفاص، سمح هذا النهج لمتغير FREP1 بالانتشار بسرعة أكبر بكثير مما يسمح به التوارث الطبيعي. وذكر الفريق البحثي  أنه في غضون عشرة أجيال، ارتفعت نسبته من 25% من إجمالي نسخ جين FREP1 إلى أكثر من 94%.

رغم إثبات فعالية هذه المسارات العالية في المختبرات والأنظمة المغلقة إلا أن هناك تحديات رئيسية يجب تجاوزها قبل إطلاقها في البيئة الطبيعية:

  1. تطور المقاومة: قد يطوّر البعوض طفرات جينية تجعله يقاوم القيادة الجينية، مما يقلل من فعاليتها عبر الأجيال.
  2. تغيير أو إبادة نوع كامل من البعوض قد يحمل عواقب بيئية غير متوقعة على السلاسل الغذائية.
  3. الآثار غير القابلة للعكس فبعد إطلاق البعوض المعدل في الطبيعة، يصعب جداً سحب التعديل الجيني أو إيقاف انتشاره عبر الحدود.

 لذا تتطلب موافقة تنظيمية صارمة، حيث يحذر الباحثون من أن هذه الاستراتيجية غير جاهزة للتجربة الميدانية، لكن، عالم الوراثة الوظيفية توني نولان من كلية ليفربول للطب الاستوائي يقول: “إن التجارب مصممة بدقة ومتينة، وتُظهر بالفعل برهاناً قوياً على جدوى إدخال متغيرات طبيعية من جينات البعوض إلى مجتمع معين”.

لا توجد تعليقات على “استراتيجية التوصيل الجيني (Gene Drive) أكثر التقنيات الواعدة في مكافحة الطفيليات”